سيد محمد طنطاوي

81

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) * والسر في هذا التكرير زيادة التحذير من عقاب اللَّه وانتقامه ، فإن تكرار التحذير من شأنه أن يغرس في القلوب التذكر والاعتبار والوجل . وقيل : إن التحذير الأول ذكر للنهي عن موالاة الكافرين . والذي هنا ذكر للحث على عمل الخير والتنفير من عمل الشر . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : * ( واللَّه رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ) * ومن مظاهر رأفته ورحمته أنه حذر عباده قبل أن يعاقبهم ، وأنه يعفو عن كثير من ذنوب عباده ، وأنه فتح لهم باب التوبة حتى يقلعوا عن خطاياهم . إلى غير ذلك من مظاهر رأفته ورحمته . ثم أمر اللَّه - تعالى - رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يرشد الناس إلى الطريق الذي متى سلكوه كانوا حقا محبين اللَّه ، وكانوا ممن يحبهم - سبحانه - فقال تعالى : * ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) * . قال بعضهم : عن الحسن البصري قال : قال قوم على عهد النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يا محمد إنا نحب ربنا ، فأنزل اللَّه الآية ، وروى محمد بن إسحاق عن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير قال : « نزلت في نصارى نجران وذلك أنهم قالوا : إنما نعظم المسيح ونعبده حبا اللَّه وتعظيما له فأنزل اللَّه هذه الآية ردا عليهم » « 1 » . ومحبة العباد اللَّه - كما يقول الزمخشري - مجاز عن إرادة نفوسهم اختصاصه بالعبادة دون غيره ورغبتهم فيها ، ومحبة اللَّه عباده أن يرضى عنهم ويحمد فعلهم . والمعنى : قل يا محمد للناس على سبيل الإرشاد والتبين : إن كنتم تحبون اللَّه حقا كما تدعون ، فاتبعوني ، فإن اتباعكم لي يؤدى إلى محبة اللَّه لكم ، وإلى غفرانه لذنوبكم ، وذلك لأن محبة اللَّه ليست دعوى باللسان ، وإنما محبة اللَّه تتحقق باتباع ما أمر به ، واجتناب ما نهى عنه على لسان رسوله محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الذي أرسله رحمة للعالمين . قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : « هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة اللَّه وليس هو على الطريقة المحمدية ، بأنه كاذب في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي ، والدين النبوي في كل أقواله وأعماله كما ثبت في الصحيح عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنه قال :

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 3 ص 130 وتفسير ابن جرير ج 3 ص 232 .